14 سبتمبر 2026 01:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 سبتمبر 01:43 2026
ترك بعض الفتيات للجامعة بسبب الزواج والضغوط النفسية والمالية؛ دعوات لمرونة الجامعات ودعم الأسرة والمجتمع وفرص للعودة والتعليم المستمر
تحقيق: ميثا الانسي
في وقت تتسارع فيه خطوات التنمية، وتُفتح الأبواب أمام الفتيات للالتحاق بالتعليم العالي وتحقيق أحلامهنّ، الأكاديمية والمهنية، هناك طالبات دفعتهنّ الأحوال للتوقف عن إكمال مشوارهنّ الجامعي، تاركات مقاعد الدراسة، وأحلاماً مؤجلة.
وتتنوع هذه الدوافع إما بسبب الأحوال الأسرية والصعوبات المالية، وإما معضلات نفسية وضغوط اجتماعية، تجعل من الاستمرار في التعليم عبئاً، وهناك من تتأثر بنظرة المجتمع التي لاتزال في بعض البيئات تضع الزواج، أو المسؤوليات الأسرية، فوق طموحات التعليم والعمل.
ولا يمكن تجاهل العوامل الأكاديمية والإدارية التي تسهم في تفاقم المشكلة.
قالت مريم الظاهري، إنها اضطرت إلى ترك دراستها الجامعية بعد زواجها في سِن مبكرة، إذ واجهت صعوبة في التوفيق بين مسؤولياتها الجديدة زوجة، ومتطلبات الجامعة، وحاولت في البداية الاستمرار لكنها وجدت نفسها غارقة في أعمال المنزل، والعناية بأطفالها، ما جعلها تفقد التركيز والدافعية، مؤكدة أن قرارها لم يكن استسلاماً بل تأجيلاً مؤقتاً، وأنها لا تزال تحلم بإكمال دراستها في إدارة الأعمال، لأنها تؤمن بأن التعليم لا يرتبط بعمر، بل بالإصرار والرغبة في التطور.
أما رنيم أحمد، فكشفت أنها قررت التوقف عن دراستها الجامعية بعد أن شعرت بضغوط نفسية كبيرة لم تستطع التعامل معها، حيث إنها في سنتها الثانية شعرت بأن التخصص لم يناسبها، فبدأت تفقد الرغبة في الحضور والمذاكرة، وأصبحت تشعر بأن الدراسة عبء ثقيل، وحاولت الاستمرار بدافع المسؤولية، والخوف من نظرة الآخرين، لكنها وجدت أن ذلك يرهقها أكثر، ويؤثر في حالتها النفسية.. وبعد تفكير طويل، قررت أن تمنح نفسها راحة مؤقتة لتعيد النظر في مسارها.
انشغال بالأسرة
في حالة أخرى، توقفت هند أحمد، عن الدراسة الجامعية بعد زواجها مباشرة، فقد كانت مشغولة ببناء أسرتها الجديدة، وتحمّل مسؤوليات لم تكن مهيّأة لها في هذه السّن؛ ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بأن شيئاً ينقصها. وبعد سنوات من الانقطاع، قررت العودة إلى الجامعة على الرغم من خوفها من اختلاف العمر والجيل، لكنها أصرت على إكمال طريقها؛ ودرست بجد وتخرجت بفخر، غير أن فرحتها لم تكتمل، حيث كانت بعض الجهات ترى أن عمرها لم يعد مناسباً لبداية مهنية جديدة.
فيما تكشف مودة صلاح، طالبة في السنة الثانية في الجامعة، أنها تدرس تخصص إدارة الأعمال، وتوقفت عن الدراسة بسبب الأوضاع المالية الصعبة التي واجهتها أسرتها، حيث إنها لم تستطع تسديد الرسوم، أو تحمّل كُلف النقل والكتب. وحاولت البحث عن عمل جزئي لتتمكن من تغطية جزء من المصاريف، لكنها لم تجد فرصة مناسبة تتوافق مع أوقات الدراسة، لذا قررت التوقف مؤقتاً عن الدراسة إلى أن تتحسن الأحوال.
ضغوط اقتصادية
يرى الدكتور سعيد عبيد الطنيجي، مستشار أسري وتربوي، أن الأسباب التي تدفع بعض الفتيات إلى ترك الدراسة الجامعية قبل التخرج متعدّدة، أبرزها الأحوال الأسرية والاجتماعية؛ فبعض الفتيات يتوقفن عن الدراسة بسبب الزواج المبكّر، أو تحمّل مسؤوليات أسرية تفوق قدرتهنّ. بينما تواجه أخريات ضغوطاً اقتصادية تدفع الأسرة إلى تفضيل تعليم الأبناء الذكور. كما أن عدم توافق التخصص الجامعي مع ميول الطالبة، أو أحوالها، قد يؤدي إلى فقدان الرغبة في الاستمرار، إلى جانب ضعف الدعم النفسي والمعنوي، من الأسرة أو المجتمع.
وأوضح أن سوق العمل اليوم أكثر انفتاحاً، لكنه لايزال يمنح الأولوية لحاملي الشهادات الجامعية، خصوصاً في القطاعات الرسمية. ومع ذلك، فقد ظهرت مجالات جديدة، مثل ريادة الأعمال، والعمل التطوعي، والمشاريع الصغيرة، والإنتاج الإعلامي والفني، أصبحت تُقيّم المهارة أكثر من الشهادة. وهناك فتيات أثبتن قدرتهنّ العملية على الرغم من عدم حصولهنّ على شهادة جامعية.. إلا أن التعليم العالي يظل بوابة أوسع نحو الأمان الوظيفي، والاستقرار المهني. كما أكد أن هناك فرص تدريب وتأهيل للفتيات غير الخريجات، إذ تقدم الدولة والقطاع الخاص برامج متخصصة، مثل الدورات التقنية، والمهارات الإدارية، والحرف الإبداعية، والمهارات الرقمية، وهذا التوجه رؤية حضارية تعزز مفهوم التعلم المستمر مدى الحياة.
بيئة مرنة
يبدأ الدعم الحقيقي لاستكمال التعليم من القناعة بأهميته، فالمؤسسات التعليمية مطالبة بخلق بيئة مرنة تراعي أحوال الطالبات، سواء عبر برامج التعليم عن بُعد، أو التسهيلات الأكاديمية، أو الإرشاد النفسي؛ أما الأسرة فعليها أن تؤمن بأن تعليم الفتاة استثمار في المستقبل وليس ترفاً، وتشجعها على العودة للدراسة، لأن العلم لا يرتبط بعمر، أو مرحلة معيّنة.
وأكد د. الطنيجي، أن المجتمع الواعي لا يحكم على الإنسان، بمرحلة عابرة في حياته، لأن كثيراً من الفتيات توقفن عن الدراسة لأسباب خارجة عن إرادتهنّ، لكنهنّ تمكنّ لاحقاً من تحقيق إنجازات في مجالات مختلفة. داعياً إلى منح الفتيات الدعم بدلاً من الوصمة، وإتاحة الفرص لهنّ مجدداً في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية؛ فالتوقف عن الدراسة لا يعني الفشل، بل قد يكون بداية طريق جديد مملوء بالإصرار والتجربة.
ويُعد تسهيل عودة الفتيات إلى الدراسة بعد الانقطاع مسؤولية مشتركة، تبدأ من المجتمع بتغيير نظرته للتعليم، ليعدّه حقاً مستمراً لا يرتبط بعمر، وتستكملها المؤسسات بالمنح الدراسية والتسهيلات المالية.
تحدٍّ نفسي
تبدأ رحلة الفتيات العائدات لإكمال دراستهنّ الجامعية، بعد انقطاع طويل بتحدٍّ نفسي، يتمثل في مشاعر الرهبة والقلق من عدم مجاراة جيل أصغر سناً، ثم تأتي معضلة الموازنة بين الالتزامات الأسرية والدراسية، إلى جانب الفجوة التكنولوجية، وهذا ما لفت إليه يوسف أحمد الحمادي، استشاري موارد بشرية. مضيفاً أن هناك نظرة مجتمعية قد لا تدرك بعد قيمة هذه الخطوة الشجاعة التي تقدم عليها الفتيات.
وأوضح أن العمر في هذه المرحلة سلاح ذو حدين، فمن جهة، قد يحمل بعض الصعوبات، ومن جهة أخرى يكون مصدراً للنضج والوعي، ما يجعل الطالبة أكثر جدية ووضوحاً في هدفها، فهي تدرك تماماً قيمة ما تسعى إليه. فبعض المؤسسات التعليمية لا تزال تتعامل مع الطالبات العائدات بطريقة التعامل مع الطالبات المستمرات نفسها، إلا أن هناك تحولاً إيجابياً ملحوظاً، حيث بدأت الجامعات في تبنّي سياسات أكثر مرونة مثل التعليم عن بُعد، وتقديم دعم أكاديمي ونفسي مخصص، وهي مبادرات تحتاج إلى رعاية لتصبح ثقافة راسخة تُقدر التجربة الفردية لكل طالبة.
