
محللون: التوترات الإقليمية تعيد توزيع مكاسب القطاعات
أظهرت نتائج الشركات الإماراتية للربع الثاني والنصف الأول من 2026 قدرة لافتة على الصمود أمام تداعيات التوترات الإقليمية، مع تجاوز أرباح عدد من الشركات توقعات المحللين، رغم الضغوط التي طالت قطاعات مرتبطة بالتجارة والطيران والسياحة والطاقة.
لم يكن تأثير التطورات الإقليمية موحداً على الشركات، بل أعاد توزيع مكاسب القطاعات وفق درجة تعرضها للاضطرابات، ففي الوقت الذي واجهت فيه شركات ضغوطاً على النشاط والأرباح، استفادت شركات الشحن والخدمات اللوجستية من تغير مسارات التجارة وارتفاع الطلب على بدائل النقل، بينما حافظت البنوك على نمو أرباحها وجودة أصولها.
وتكشف قراءة المحللين لموسم النتائج عن تماسك أساسيات الشركات الإماراتية، مع استمرار قوة القطاع العقاري رغم تفاوت وتيرة المبيعات وإطلاق المشاريع، في وقت بدت فيه السياحة والطيران من أكثر الأنشطة تأثراً بالظروف الإقليمية.
ومع انتهاء بيانات النصف الثاني من العام، ينتقل التركيز من قدرة الشركات على تحقيق الأرباح إلى مدى قدرتها على الحفاظ على هوامشها وتدفقاتها النقدية، واستدامة النمو في ظل تغير خريطة المخاطر والفرص بين القطاعات.
البنوك.. صمود أمام الضغوط
ترى نغم حسن، محللة الأسواق لدى eToro، أن البنوك الإماراتية دخلت النصف الثاني من العام من موقع مالي قوي، بعدما سجلت البنوك الكبرى نمواً في أرباحها خلال النصف الأول، مع استمرار نمو الودائع والقروض واستقرار جودة الأصول.
وتتفق هذه القراءة مع فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في سنشري فاينانشال، الذي يرى أن القطاع المالي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود، مستشهداً بنمو أرباح الإمارات دبي الوطني وأبوظبي التجاري، إلى جانب نمو القروض والودائع.
ويرى وائل محيسن، المدير العام لشركة ترند للاستثمار، أن قوة النتائج تعكس مرونة الاقتصاد الإماراتي وقدرة الشركات على التعامل مع المتغيرات الإقليمية، مع بقاء التأثير متفاوتاً بين القطاعات بحسب طبيعة النشاط ودرجة تعرضه للتطورات الخارجية.
ويشير إلى أن المرحلة المقبلة ستكشف بصورة أكبر مدى استدامة هذا الأداء، خصوصاً مع أهمية نمو الإيرادات التشغيلية والتدفقات النقدية، مقابل المكاسب الاستثنائية التي قد لا تتكرر في الفصول المقبلة.
الطاقة.. تفاوت حاد
تكشف نتائج قطاع الطاقة عن أكبر تفاوت في التأثير. حيث تراجع صافي ربح أدنوك للغاز في الربع الثاني 52% على أساس سنوي، نتيجة تعطل الشحنات عبر مضيق هرمز والأضرار التي لحقت بمجمع حبشان، بينما انخفض إنتاج بروج بسبب اضطرابات إمدادات المواد الخام وتأثر عمليات الإنتاج.
في المقابل، استفادت الشركات الأقل تعرضاً لاضطرابات المضيق من استقرار عملياتها. وارتفعت أرباح طاقة خلال النصف الأول 9.7% على أساس سنوي، كما نما ربح أدنوك للحفر 2% في الربع الثاني، فيما تضاعفت أرباح أدنوك للتوزيع مقارنة بالعام الماضي.
ويؤكد فاليشا الصورة نفسها، مشيراً إلى القفزة الكبيرة في أرباح أدنوك للإمداد، مقابل التراجع الحاد في أرباح أدنوك للغاز، بما يعكس اختلاف حساسية الشركات تجاه طرق التجارة والاضطرابات الإقليمية.
الشحن واللوجستيات.. الرابح الأكبر
برزت شركات الشحن والخدمات اللوجستية كأحد أكبر المستفيدين من تغير خريطة التجارة. فقد حققت أرامكس أعلى إيرادات فصلية في تاريخها خلال الربع الثاني، بنمو 22% على أساس سنوي، وعادت إلى الربحية، بعدما حولت جزءاً من الشحنات إلى الطرق البرية واستأجرت طاقات إضافية للشحن الجوي والبحري.
كما قفز صافي ربح أدنوك للإمداد والخدمات 303%، مستفيدة من الطلب المرتفع على ناقلات النفط والغاز، في حين سجلت موانئ أبوظبي أقوى أداء فصلي في تاريخها، مع نمو الإيرادات 47% وصافي الربح 88%.
وتشير قراءة المحللين إلى أن اضطراب التجارة لم يكن سلبياً لجميع الشركات، بل أعاد توزيع الطلب نحو الشركات التي تمتلك قدرة أكبر على توفير بدائل للنقل التقليدي.
العقار.. قوة وتباين
رغم استمرار نمو الأرباح على أساس سنوي، أظهرت نتائج الربع الثاني تبايناً في وتيرة النشاط العقاري مقارنة بالربع الأول، مع تأثر مستويات المبيعات وتوقيت إطلاق بعض المشاريع بالتطورات الإقليمية.
وتشير نغم حسن إلى أن أداء إعمار تأثر بالظروف الإقليمية، فيما خفضت الشركة عدد المشاريع التي أطلقتها خلال الربع، موضحة أن ذلك يرتبط بالظروف المحيطة وليس بضعف إقبال المشترين.
وبحسب نغم حسن تأثرت وتيرة مبيعات مشاريع التطوير بالظروف الإقليمية وهو ما دفع شركة الدار إلى إعادة النظر في توقعاتها لمبيعات التطوير للعام، في ظل المتغيرات التي شهدها السوق.
وفي المقابل، يقدم فاليشا قراءة أكثر إيجابية للقطاع، مشيراً إلى نمو إيرادات العقارات في مؤشر سوق دبي خلال الربع، بينما ارتفع صافي ربح الدار 17% على أساس سنوي في الربع الثاني.
وتشير النتائج في مجملها إلى استمرار متانة القطاع العقاري، مع بعض التباين في وتيرة النشاط وإطلاق المشاريع.
كانت القطاعات المرتبطة بالسياحة والطيران من بين الأكثر تأثراً خلال الربع الثاني.
وتشير نغم حسن إلى ضعف أداء أنشطة الضيافة لدى إعمار والدار، مع انخفاض إشغال الفنادق وتراجع إيرادات الأنشطة الترفيهية. كما هبطت إيرادات دبي تاكسي 22.5% على أساس سنوي، وانخفض صافي الربح 90.1%، نتيجة تراجع أعداد السياح والرحلات.
أما العربية للطيران، فتراجعت إيراداتها 3.4% على أساس سنوي، لكن صافي الربح هبط 75%، بفعل ارتفاع تكلفة تغيير مسارات الرحلات وارتفاع أسعار الوقود، إضافة إلى تحول مساهمة شركات الطيران التي تمتلك فيها حصصاً أقلية من ربح إلى خسارة.
ماذا تعني النتائج للمستثمرين؟
تكشف نتائج الربع الثاني والنصف الأول عن صورة أكثر تماسكاً مما قد توحي به تحركات الأسواق. فالتوترات الإقليمية أصابت القطاعات الأكثر ارتباطاً بالسياحة والطيران وحركة التجارة والطاقة، لكنها خلقت فرصاً لشركات الشحن والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل، ظل القطاع المصرفي الأكثر استقراراً، بينما حافظ العقار على قوته الأساسية رغم ظهور بعض التغيرات في وتيرة المبيعات. وتلتقي قراءات المحللين عند نقطة رئيسية: النتائج لم تكشف أزمة شاملة في الشركات الإماراتية، وإنما كشفت تفاوتاً واضحاً في قدرة القطاعات والشركات على امتصاص الصدمات.
