
من قلب الصحراء إلى قمم الجبال والبحار. ثمة صناعة إماراتية تستحوذ على نصف إنتاج ألواح «الكايت بورد» و«الويك بورد» وثلث ألواح التزلج على الثلج عالمياً.
ففي مفارقة اقتصادية وجغرافية لافتة، نجحت دبي في تحويل بيئتها الصحراوية إلى منصة صناعية عالمية تنتج بعضاً من أشهر ألواح التزلج على الثلج والماء، لتصل منتجات مصنوعة تحت شمس الإمارة إلى المنحدرات الجليدية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وشواطئ العالم، وصولاً إلى الألعاب الأولمبية الشتوية وبطولات الرياضات المائية الدولية.
فمن مدينة ارتبط اسمها برمال الصحراء ودرجات الحرارة المرتفعة، خرجت صناعة متخصصة في رياضات ترتبط بالثلوج والأمواج، بعدما استطاعت شركة «SWS Board Technology» بناء واحدة من أكبر عمليات تصنيع ألواح التزلج عالمياً، بمبيعات تراكمية تجاوزت 6 ملايين لوح، وطاقة إنتاجية مستهدفة تفوق 450 ألف لوح سنوياً خلال 2026.
ولا يتعلق الأمر بتحويل حبات الرمل حرفياً إلى ألواح تزلج؛ بل بتحويل الصحراء إلى مركز للإنتاج الصناعي المتقدم، عبر توظيف الموقع الجغرافي والبنية التحتية والخبرات الهندسية والتكنولوجية لصناعة منتجات تنافس في أسواق بعيدة آلاف الكيلومترات عن دبي.
وتشير بيانات الشركة العالمية ومقر مصنعها في “جافزا” ، إلى أن الشركة تنتج نحو نصف ألواح «الكايت بورد» و«الويك بورد» عالمياً، وثلث ألواح التزلج على الثلج، ما يجعل دبي، رغم طبيعتها المناخية، إحدى القواعد الصناعية المؤثرة في سوق معدات الرياضات الثلجية والمائية.
من حرارة الصحراء إلى برودة الجليد
تبدأ الحكاية من سؤال اقتصادي يبدو غير مألوف: كيف يمكن لمدينة صحراوية، لا تعرف الثلوج الطبيعية، أن تصبح مركزاً عالمياً لصناعة ألواح التزلج على الجليد؟
الإجابة تكمن في تحول دبي من سوق استهلاكية تعتمد على الواردات إلى مركز صناعي ولوجستي قادر على إنتاج سلع متخصصة للأسواق الدولية، بصرف النظر عن طبيعة الطلب المحلي عليها.
ففي عام 2004، انطلقت أعمال الشركة في دبي بقيادة رائد الأعمال رينييه نوهرا، الذي راهن على قدرة الإمارة على توفير بيئة صناعية تسمح بإنتاج معدات رياضية متقدمة وتصديرها إلى الأسواق العالمية.
وبمرور السنوات، تحولت المنشأة إلى قاعدة متكاملة تجمع بين التصميم والهندسة والبحث والتطوير والتصنيع واختبارات الجودة، وصولاً إلى التوزيع الدولي.
وتعتمد صناعة هذه الألواح على مواد مركبة وتقنيات هندسية دقيقة، تمنح المنتجات مستويات محسوبة من المرونة والصلابة وخفة الوزن ومقاومة الصدمات، بما يلائم متطلبات الرياضيين المحترفين والهواة.
وهكذا، أصبحت ألواح صُنعت في أجواء دبي الحارة تُستخدم فوق الثلوج في المناطق الجبلية الباردة، وفي مياه البحار والمحيطات، ضمن نموذج يعكس قدرة الإمارة على تجاوز القيود الجغرافية والمناخية في بناء صناعات تنافسية.
نصف الإنتاج العالمي
تكمن القوة الاقتصادية للمشروع في حصته المعلنة من سوق متخصصة تتوزع مراكز استهلاكها على مختلف القارات.
فوفق بيانات الشركة، تستحوذ عملياتها التصنيعية على نحو 50% من الإنتاج العالمي لألواح التزلج باستخدام الطائرات الورقية «كايت بورد» وألواح التزلج على الماء «ويك بورد»، إلى جانب نحو 33% من ألواح التزلج على الثلج.
وتعكس هذه النسب، بحسب بيانات المشروع، تحول المنشأة من مصنع محلي إلى مورد صناعي رئيسي لعلامات تجارية.
ويكتسب هذا الحضور أهمية إضافية في ضوء طبيعة الصناعة، التي تتطلب مستويات مرتفعة من الدقة والجودة، فضلاً عن الالتزام بمواصفات العلامات التجارية العالمية ومعايير الأداء الرياضي.
وتجاوزت المبيعات التراكمية للمشروع 6 ملايين لوح، فيما تستهدف الشركة رفع طاقتها الإنتاجية إلى أكثر من 450 ألف لوح سنوياً خلال 2026.
ويعني ذلك أن المصنع بات يمتلك القدرة على إنتاج أكثر من 1200 لوح يومياً في المتوسط، عند احتساب الطاقة السنوية المستهدفة على مدار 365 يوماً، وهو معدل نظري يعكس حجم العمليات الصناعية وليس الإنتاج اليومي الفعلي.
من مصانع دبي إلى الألعاب الأولمبية
لم تتوقف رحلة ألواح التزلج المصنعة في دبي عند متاجر المعدات الرياضية؛ بل امتدت إلى المنافسات الدولية، حيث استخدمت منتجات الشركة في الألعاب الأولمبية الشتوية وبطولات العالم.
ويعكس هذا الحضور مستوى الثقة الذي استطاعت المنشأة بناءه لدى العلامات التجارية والرياضيين المحترفين، في سوق ترتبط فيها جودة المنتج بعوامل فنية دقيقة تشمل الاستجابة للحركة والتوازن والمتانة والقدرة على تحمل ظروف الاستخدام القاسية.
وتعمل الشركة وفق نموذج التصنيع للغير، المعروف عالمياً باسم «OEM»، حيث تنتج الألواح لحساب علامات تجارية دولية تتولى تسويقها بأسمائها الخاصة.
وبموجب هذا النموذج، قد يستخدم الرياضي أو المستهلك لوحاً يحمل علامة تجارية أوروبية أو أمريكية، بينما تكون عمليات تصنيعه وهندسته قد أُنجزت داخل منشآت الشركة في دبي.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التجربة؛ إذ لا يظهر اسم المدينة بالضرورة على جميع المنتجات النهائية، لكن القيمة الصناعية التي تقف خلفها تتشكل داخل الإمارة.
وتكشف هذه المعادلة جانباً من التحول في موقع دبي ضمن سلاسل القيمة العالمية، من مركز لتداول البضائع ونقلها إلى قاعدة تشارك في تصنيعها وتطويرها.
جبل علي.. بوابة الصحراء إلى العالم
كان للموقع الجغرافي والبنية التحتية دور حاسم في نجاح المشروع، خصوصاً مع تمركز عمليات الشركة في منطقة جبل علي، التي توفر اتصالاً مباشراً بشبكات التجارة والشحن الدولية.
فبالنسبة إلى مصنع يستهدف أسواق أوروبا وأمريكا وآسيا، لا يمثل قربه من المنحدرات الثلجية أو الشواطئ العامل الأهم في تحديد موقع الإنتاج، وإنما قدرته على الحصول على المواد الخام ونقل المنتجات النهائية بسرعة وكفاءة.
وقد أتاحت منظومة جبل علي للشركة الاستفادة من المرافق الصناعية والخدمات اللوجستية وشبكات التصدير، بما يدعم توسعها في الأسواق الخارجية.
وأشار رينييه نوهرا في تصريحات صحفية لمجلة “جافزا”؛ إلى أهمية موقع دبي بين الشرق والغرب، وتكامل بنيتها اللوجستية، في دعم قدرة الشركة على تلبية متطلبات عملائها العالميين.
وتبرز هذه التجربة أهمية المزايا التنافسية التي راكمتها الإمارة عبر عقود من الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة والطرق والخدمات التجارية.
فالصحراء التي بدت بعيدة جغرافياً عن أسواق الرياضات الشتوية، تحولت بفضل هذه البنية إلى نقطة انطلاق لمنتجات تصل إلى تلك الأسواق.
ألواح تتزلج على الطاقة الشمسية
ولا تقتصر المفارقة على تصنيع معدات الثلوج في الصحراء؛ بل تمتد إلى استخدام أشعة الشمس نفسها مصدراً للطاقة اللازمة لتشغيل جانب كبير من العمليات الصناعية.
فقد استثمرت الشركة في منظومة للطاقة الشمسية فوق أسطح منشآتها في جبل علي، ضمن استراتيجية تستهدف خفض استهلاك الكهرباء التقليدية وتقليل الانبعاثات الكربونية.
وبحسب بيانات أعلنتها «توتال إنرجيز» في مارس / آذار 2021، تبلغ القدرة المركبة للمشروع نحو 0.55 ميغاواط ذروة، باستخدام 1394 لوحاً شمسياً.
وقدرت الشركة عند تشغيل المشروع أن المنظومة قادرة على توليد أكثر من 880 ميغاواط/ساعة سنوياً، بما يعادل نحو 95.4% من احتياجات المنشأة الكهربائية وفق التقديرات الأصلية، مع خفض متوقع للانبعاثات بنحو 377 طناً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
ويبلغ إنتاج الكهرباء الشمسية نحو 829.5 ميغاواط/ساعة خلال عام 2025.
وتعكس هذه الأرقام قدرة المشروع على تحويل أحد أبرز خصائص البيئة الصحراوية، وهو ارتفاع مستويات الإشعاع الشمسي، إلى ميزة اقتصادية تدعم العمليات الصناعية.
وبذلك، أصبحت شمس دبي التي ترتبط عادة بارتفاع درجات الحرارة جزءاً من منظومة إنتاج ألواح تُستخدم فوق الجليد، في مفارقة تجمع بين الموارد الطبيعية والابتكار الصناعي.
إعادة تدوير الألواح.. من منتج مستهلك إلى مادة خام
يمتد الابتكار داخل المصنع إلى التعامل مع المنتجات بعد انتهاء عمرها التشغيلي، عبر تطوير تقنيات لإعادة تدوير ألواح التزلج وإدخال مكوناتها في دورات إنتاج جديدة.
وتشير بيانات الشركة إلى ابتكار حلول تسمح بإعادة استخدام نحو 95% من مواد ألواح التزلج على الثلج في تصنيع ألواح جديدة.
وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة نظراً إلى تعقيد المواد المستخدمة في تصنيع الألواح، التي تتضمن مكونات متعددة من الأخشاب والألياف والراتنجات والمواد المركبة.
وتواجه صناعة المعدات الرياضية تحديات متزايدة في إدارة المخلفات الناتجة عن المنتجات المستهلكة، بسبب صعوبة فصل المواد المترابطة وإعادة استخدامها من دون التأثير في الخصائص الفنية للمنتج النهائي.
ومن خلال تطوير حلول لإعادة التدوير، تسعى الشركة إلى تقليل الاعتماد على المواد الخام الجديدة والحد من المخلفات الصناعية، بما يتوافق مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
وكانت الشركة قد أعلنت في تقرير الاستدامة لعام 2023 العمل على تطوير عمليات تصنيع تعتمد على مواد أكثر استدامة، إلى جانب تقنيات لتقليل استخدام المواد الضارة وتحسين كفاءة الموارد.
ومع ذلك، فإن نسبة إعادة الاستخدام المعلنة لا تعني أن جميع الألواح المنتجة تجارياً تحتوي حالياً على 95% من المواد المعاد تدويرها؛ بل تعبر عن القدرة التقنية للحلول التي طورتها الشركة.
الابتكار قبل انخفاض الكلفة
ويعتمد النموذج الصناعي للشركة على الاستثمار في المعرفة الهندسية والبحث والتطوير، بدلاً من الاقتصار على المنافسة السعرية.
فإنتاج ألواح التزلج يتطلب تحقيق توازن دقيق بين مجموعة من الخصائص الفنية، تشمل توزيع الوزن والمرونة والصلابة والقدرة على مقاومة الالتواء والصدمات.
وتختلف هذه المتطلبات باختلاف طبيعة الرياضة ومستوى المستخدم، ما يفرض على المصنعين تطوير تصاميم متعددة واختبارها بصورة مستمرة.
وفي هذا السياق، طورت الشركة تقنيات تصنيع وطلاءات أكثر استدامة، من بينها استخدام مواد قائمة على الماء بدلاً من بعض المذيبات التقليدية، بهدف تقليل الأثر البيئي وتحسين جودة المنتجات.
كما عملت على تحديث معدات الإنتاج وإعادة هندسة بعض الآلات لتحسين كفاءة استهلاك الطاقة والموارد.
ويمنح هذا الاستثمار في التكنولوجيا الشركة موقعاً يتجاوز دور المصنع التقليدي، لتصبح شريكاً في تطوير المنتجات للعلامات التجارية التي تتعامل معها.
«دبي تصنع».. فلسفة تتحول إلى واقع
تعكس تجربة «SWS Board Technology» جانباً من فلسفة «دبي تصنع» (Dubai-it)، القائمة على تحويل الطموحات والأفكار إلى مشروعات اقتصادية قادرة على المنافسة عالمياً.
فنجاح المشروع لم يكن نتيجة وجود طلب محلي ضخم على ألواح التزلج الثلجي، وإنما جاء من القدرة على توظيف منظومة اقتصادية متكاملة لخدمة أسواق خارجية.
وتبرز هنا خصوصية الذكاء والنموذج الصناعي في دبي، الذي يعتمد على التكامل بين الاستثمار الأجنبي والخبرات الدولية والبنية التحتية المتقدمة والقدرات اللوجستية.
كما يوضح أن التنويع الاقتصادي لا يقتصر على الصناعات الثقيلة أو المنتجات الاستهلاكية واسعة الانتشار، بل يشمل صناعات دقيقة ومتخصصة يمكنها تحقيق حضور عالمي من خلال الجودة والابتكار.
وتنسجم هذه التجربة مع مستهدفات استراتيجية دبي الصناعية وأجندة دبي الاقتصادية «D33»، التي تركز على تعزيز الإنتاجية والتنافسية وتوسيع مساهمة القطاعات ذات القيمة المضافة في الاقتصاد.
وتكتسب الصناعات المتخصصة أهمية متزايدة في هذا السياق، لارتباطها بالبحث والتطوير ونقل المعرفة وبناء المهارات الفنية، فضلاً عن قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
قصة اقتصادية
لا تكمن القيمة الحقيقية لتجربة الشركة في عدد الألواح المنتجة وحدها؛ بل في الدروس الاقتصادية التي تقدمها بشأن قدرة المدن على بناء مزايا صناعية جديدة، حتى في قطاعات لا ترتبط بخصائصها الطبيعية.
فقد استطاعت دبي، التي لا تمتلك جبالاً مغطاة بالثلوج الطبيعية، أن تصبح مركزاً لتصنيع ألواح تُستخدم في أشهر وجهات التزلج الشتوية حول العالم.
كما تمكنت من تحويل وفرة الطاقة الشمسية إلى عنصر يدعم تنافسية الصناعة، ومن توظيف الموانئ والمناطق الحرة لتسهيل وصول المنتجات إلى الأسواق العالمية.
وتعكس المبيعات التراكمية التي تجاوزت 6 ملايين لوح حجم التحول الذي حققته الشركة، فيما تشير الطاقة الإنتاجية المستهدفة لعام 2026 إلى طموحاتها في تعزيز حضورها الصناعي.
وفي الوقت الذي تتنافس فيه الاقتصادات العالمية على جذب الصناعات المتقدمة وإعادة تشكيل سلاسل التوريد، تقدم دبي نموذجاً يقوم على تجاوز الحدود التقليدية بين الجغرافيا والإنتاج.
فالمعادلة لم تعد مرتبطة بضرورة تصنيع المنتجات بالقرب من مواقع استخدامها، وإنما بقدرة المدن على توفير البيئة الأكثر كفاءة لتطويرها وإنتاجها وتصديرها.
وهكذا، لم تحتج دبي إلى الثلوج لتصبح لاعباً عالمياً في صناعة ألواح التزلج، ولا إلى أمواج المحيطات لتنتج معدات الرياضات المائية. فقد حولت رمال الصحراء إلى قاعدة صناعية عالمية، وأشعة الشمس إلى طاقة للإنتاج، لتخرج من مصانعها ألواح تعبر القارات وتصل إلى قمم الجبال الجليدية وشواطئ العالم، في قصة تؤكد أن قوة الصناعة لا تحددها الطبيعة وحدها؛ بل القدرة على تحويل التحديات الجغرافية.
