8000 دولار لنقل الحاوية بسبب المخاطر والوقود والتأمين
قفزت أسعار الشحن البحري من الصين، إلى أبرز الوجهات الإقليمية والعالمية عبر المسارات الملاحية المتعدّدة، بشكل قياسي خلال شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، مقارنة مع مطلع العام 2026.
وبحسب منصة «CARGO ESPI» التي ترصد أحدث أسعار الشحن البحري والمتنوع، ارتفع متوسط سعر شحن الحاوية القياسية 40 قدماً، من الصين إلى موانئ ومرافئ دول مجلس التعاون الخليجي، ومن بينها موانئ دولة الإمارات، بنسبة 200%، ليصل سعر الكلفة مضافة إليها قيمة بوليصة تأمين الخط الملاحي البحري، إلى 8000 دولار، في سبتمبر الجاري، مقارنة ب2700 دولار في يناير/ كانون الثاني 2026.

محمد جابر
كما ارتفع متوسط سعر شحن الحاوية، من الصين شرقاً، إلى وجهات أوروبية غرباً 40%، إلى 5080 دولاراً، قياساً ب3650 دولاراً للحاوية. في الوقت الذي استقر فيه متوسط كلفة شحن الحاوية من الصين، إلى دول حوض المتوسط، ليلامس 6500 دولار.
ارتفع متوسط شحن الحاوية من الصين باتجاه الساحل الأمريكي الغربي، 240%، إلى 7800 دولار، مقارنة ب2300 دولار للحاوية، وكذلك الخط الملاحي الرابط بين الصين والساحل الأمريكي الشرقي 237%، إلى 10600 دولار، مقارنة ب3150 دولاراً.

عفت مصطفى
وشهد الخط الملاحي الرابط بين الصين شرقاً، ودول إفريقيا الغربية، ارتفاعاً قدره 22% إلى 5080 دولاراً لشحن الحاوية، مقارنة ب4150 دولاراً، والخط الملاحي الصين – إلى دول إفريقيا الجنوبية، بنسبة 30%، ليصل شحن الحاوية إلى 3613 دولاراً، مقارنة ب2788 دولاراً، والمسار الملاحي الصين – دول شرقي إفريقيا، بنسبة 54% إلى 4400 دولار، قياساً، ب2867 دولاراً للحاوية، وكذلك الشأن، للحاويات المتجهة من الصين باتجاه أمريكا اللاتينية، بنسبة 466%، عند 8600 دولار، مقارنة ب1545 دولاراً لكل حاوية.
موانئ وسيطة
قال أحمد عبدالرزاق، نائب رئيس اللجنة الوطنية للشحن والإمداد، والمدير العام لشركة «مالترانس الإمارات للشحن»: إن تداعيات اضطرابات الممرات البحرية عبر مضيق «هرمز»، أدت إلى تغيير مسارات وصول عدد من الشحنات إلى الأسواق الخليجية، إذ تصل بعض الحاويات بصورة مباشرة إلى الموانئ، بينما تمر حاويات أخرى عبر موانئ وسيطة قبل استكمال رحلتها، بحراً أو براً.

وأضاف: من الصعب تحديد أسعار موحدة لنقل الحاويات في أعقاب المشكلات التي طالت المسارات البحرية في المنطقة، موضحاً أن الأسعار والتكاليف تخضع لعوامل متعدّدة، وتختلف من خط ملاحي إلى آخر، ومن ميناء إلى آخر.
وأشار إلى أن دولة الإمارات تمتلك بنية تحتية لوجستية قوية، وشبكة متطورة من الطرق والموانئ، ما مكّنها من التعامل مع الظروف الطارئة التي طرأت على حركة الملاحة البحرية. ولفت إلى أن شحنات متجهة إلى موانئ مختلفة، من بينها خورفكان والفجيرة، وموانئ سلطنة عُمان مثل صحار وصلالة، وصلت إلى تلك الموانئ، قبل نقل جزء منها براً إلى موانئ الدولة، بما فيها «جبل علي».
وأضاف: إن بعض سفن الحاويات الكبيرة اتجهت إلى الهند، ومن هناك جرى استخدام سفن متوسطة الحجم لنقل الحاويات بحراً إلى موانئ إماراتية، أو موانئ أخرى قريبة، قبل نقلها براً إلى السوق الإماراتية.
كلفة إضافية
وبيّن عبدالرزاق، أن التكاليف المرتبطة بالشحن من تأمين أساسي للشحنة عبر الخط الملاحي والوقود، ارتفعت خلال الفترة الماضية بنحو الضعفين إلى خمسة أضعاف، أي بنسبة تتراوح بين 200 و500%. لكنه أوضح أن هذه الزيادة لا تعكس بالضرورة ارتفاع سعر الشحن البحري الأساسي وحده، مشيراً إلى أن «سعر شحن البضاعة بذاته لم يرتفع بالصورة التي تم تداولها، وإنما ارتفعت التكاليف الإضافية المصاحبة لعملية الشحن».

وأوضح أن أسعار النقل البري، على سبيل المثال، شهدت ارتفاعاً كبيراً، مؤكداً أن كلفة نقل الحاوية لا تقتصر على أجرة الشحن البحري، وإنما تشمل مجموعة من الرسوم والتكاليف التي تراكمت نتيجة التغيرات التي طرأت على مسارات وعمليات النقل.
مسارات بديلة
وقال عبد الرازق: إن الكثير من خطوط الملاحة فعّلت بنداً يتيح لها تفريغ الحمولة في أقرب ميناء عند وجود مشكلات في المسارات البحرية، ما أدى إلى وصول حمولات إلى موانئ مختلفة.
وأوضح أن عدداً من السفن أنزلت حمولاتها في سلطنة عُمان، قبل أن تصل الحاويات لاحقاً إلى الفجيرة وخورفكان، ومن ثم تُنقل إلى وجهاتها النهائية.
وأشار إلى أن هذه العمليات ترتبت عليها رسوم إضافية، من بينها رسوم التخليص، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود.
طاقة استيعابية
ولفت عبدالرزاق، إلى أن ارتفاع الأسعار يرتبط أيضاً بتراجع الطاقة الاستيعابية المتاحة للشحن إلى منطقة الخليج، موضحاً أن التحدي لا يتعلق بمستوى الأسعار فقط، وإنما كذلك بتوافر المساحات على السفن.
وقال: إن بعض الرحلات وصلت إلى مرحلة نفاد المساحات المتاحة، فيما أُلغيت رحلات أخرى، وأصبحت عمليات نقل الحجوزات إلى رحلات لاحقة شائعة على بعض الخطوط.

وأكد وجود تفاوت في تكاليف الشحن إلى الموانئ الخليجية، نتيجة اختلاف الموانئ ومسارات الوصول، وطريقة نقل الحاويات، ما يؤدي إلى اختلاف الكلفة من حالة إلى أخرى.
وأكد عبدالرزاق أن أسعار الشحن لم تتراجع حتى الآن، ولا تزال عند مستويات الذروة، مشيراً إلى أن فتح «مضيق هرمز» من شأنه أن يؤدي إلى تراجع الأسعار مباشرة. وقال إن عودة المسارات البحرية إلى وضعها الطبيعي ستنعكس على حركة الشحن والتكاليف المرتبطة بها، خصوصاً أن جانباً من الزيادة الحالية يرتبط بالمسارات البديلة، والرسوم والتكاليف الإضافية المصاحبة لعمليات النقل.
أسواق الإمارات
وفي ما يتعلق بالسوق المحلية بدولة الإمارات، أشار عبدالرزاق إلى أن المواد متوفرة في الدولة، لافتاً إلى أن الإمارات اتخذت إجراءات ساعدت على التعامل مع الظروف التي طرأت على حركة الشحن. وأوضح، أن المواد الأساسية حظيت بالأولوية في عمليات التخليص، ما ساعد على استمرار توافرها في السوق.
وشدّد على أن اضطرابات حركة الملاحة البحرية لم تؤدِ إلى اقتصار نقل البضائع على مسار واحد، وإنما دفعت شركات الشحن والناقلين إلى استخدام بدائل متعدّدة، سواء عبر موانئ خليجية مختلفة، أو من خلال النقل البحري المتوسط، والنقل البري.
وأكد أن طبيعة البنية التحتية اللوجستية في دولة الإمارات، إلى جانب شبكة الطرق والموانئ، ساعدت على التعامل مع هذه التحولات، ونقل الحاويات التي وصلت إلى موانئ مختلفة إلى داخل الدولة واستكمال رحلتها إلى وجهاتها النهائية.
الصورة تتغيّر
بدورها، قالت عفت مصطفى، المدير التنفيذي، «سي سكوب» الشرق الأوسط للاستشارات البحرية وإدارة المشاريع: لم يعُد شحن حاوية من الصين إلى موانئ الخليج العربي كما كان قبل 9 أشهر. فالحاوية التي كانت تصل إلى ميناء جبل علي بنحو 1,800 دولار عشية اندلاع الحرب على إيران، في 28 فبراير/ شباط 2026، باتت كلفتها في سبتمبر الجاري تتراوح بين 5,860 و8,204 دولارات، في قفزة تتراوح بين 200% و350% بحسب الخط الملاحي وتاريخ الحجز، لتتحول أزمة مضيق هرمز من حدث سياسي إلى بند ثابت في فاتورة كل مستهلك في المنطقة.
وتابعت: بدأت الشرارة في الأيام الأولى للحرب، إذ تُظهر بيانات منصة Freightos أن سعر شحن الحاوية 40 قدماً على خط شنغهاي – جبل علي قفز من 1,800 دولار في الأول من مارس/ آذار إلى أكثر من 4,000 دولار بحلول الثالث من الشهر نفسه، قبل أن يتضاعف أربع مرات ويتجاوز 8,000 دولار في ذروة الأزمة. وكان متوسط السعر الفوري من الصين إلى الإمارات، وفق منصة Xeneta، لا يتجاوز 1,572 دولاراً في منتصف فبراير/ شباط.
الأسعار خليجياً
ولا تقتصر الزيادة على الإمارات. ففي الكويت، تراوحت عروض أسعار الحاوية 40 قدماً إلى ميناء الشويخ بين مايو/ أيار وسبتمبر الجاري بين 6,900 و10,000 دولار، بعد أن كانت في حدود 1,500 إلى 2,800 دولار، مطلع العام.
وفي السعودية، رصد أحد وكلاء الشحن أسعاراً تراوحت بين 11,655 و14,245 دولاراً للحاوية في سبتمبر، وهو رقم يمثل الحد الأعلى للسوق، مقارنة بنطاق 2,100 إلى 2,800 دولار كان سائداً لمعظم موانئ الخليج قبل الحرب.

أما قطر والبحرين والعراق، فتشير تقديرات مبنية على الرسوم الطارئة المعلنة رسمياً، إلى أن كلفة الحاوية بين 7,500 و11,000 دولار. حيث فرضت شركة «ميرسك» سعر شحن طارئاً قدره 3,000 دولار للحاوية 40 قدماً على البضائع المتجهة إلى موانئ العراق، والكويت، والسعودية، والبحرين، وقطر، والإمارات، وعُمان، باستثناء صلالة، يضاف إليه، 1,000 دولار عن كل حاوية على سفينة تعبر مضيق هرمز. وتبقى موانئ أعالي الخليج، كأم قصر، والشويخ، وخليفة بن سلمان، الأعلى كلفة، لأن البضائع تُفرَّغ غالباً في خورفكان أو صلالة، ثم تُنقل بسفن تغذية.
وفي المقابل، يتمتع ميناء صحار العُماني بميزة جغرافية واضحة، إذ يقع خارج المضيق ويُعد الأقل تعرضاً لمخاطر الحرب بين موانئ الخليج، ما يمنحه أفضلية تتراوح بين 200 و500 دولار للحاوية مقارنة بجبل علي، وتقدَر كلفة الحاوية إليه بين 5,400 و7,700 دولار.
الرسوم قبل الشحن
وأوضحت عفت مصطفى أن الارتفاع يعود إلى تشابك عدة عوامل، أبرزها شبه إغلاق لمضيق هرمز، إذ تراجعت حركة العبور في أواخر يوليو/ تموز إلى نحو خمس سفن يومياً، أي 5% فقط، من المعدل الطبيعي الذي كان يتراوح بين 95 و138 سفينة. ونتيجة لذلك باتت الحاوية الواحدة المتجهة إلى «جبل علي» تحمل أربع طبقات من الرسوم الإضافية في آن واحد: رسوم مخاطر الحرب، ورسوم النزاع الطارئ، ورسوم الوقود الطارئة، ورسوم موسم الذروة، حتى أصبح أجر الشحن الأساسي الجزء الأصغر من الفاتورة.
وزاد الوقود الضغط، إذ ارتفع سعر زيت الوقود البحري منخفض الكبريت إلى 901.50 دولار للطن، مقابل 543.50 دولار قبل يوم واحد من اندلاع الحرب. كما قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب على السفن إلى ما بين 3 و10% من قيمة هيكل السفينة، بعد أن كانت نحو 0.25% فقط.
تُضاف إلى ذلك كلفة التحويلات، إذ تمر معظم الشحنات عبر خورفكان أو صلالة، ما يضيف ما بين 7 و14 يوماً إلى زمن الرحلة، في وقت لا تتجاوز فيه السعة الفعلية المتاحة لموانئ الخليج 60 إلى 70% من مستويات ما قبل الأزمة. إن الاضطرابات اللوجستية الناجمة عن الحرب قد يمتد أثرها إلى الأسواق العالمية كلما طال أمد النزاع، وهو ما تؤكده بيانات Xeneta التي أظهرت ارتفاع الأسعار من الشرق الأقصى إلى السواحل الأمريكية بنحو 325% عن مستويات ما قبل الأزمة.
ولم تسلم الصادرات من المنطقة، إذ ارتفعت كلفة شحن الحاوية 40 قدماً من دبي إلى أوروبا في مارس من نطاق 2000 – 2800 دولار إلى 5000 – 6800 دولار.
البناء قبل الغذاء
وقالت عفت مصطفى: انتقلت الكلفة سريعاً إلى الأسواق المحلية، فقد قفز التضخم السنوي في دبي من 3.8% في مارس إلى 4.8% في إبريل، ثم إلى 5.5% في مايو، مدفوعاً بارتفاع أسعار النقل بنسبة 11.1% على أساس سنوي. وسجلت أسعار الغذاء ارتفاعاً شهرياً بنسبة 1.5%، في بلد يستورد ما بين 85 و90% من احتياجاته الغذائية، يمر جزء كبير منها عبر مسارات مرتبطة بهرمز. وجعلت أزمة المضيق، من سلاسل الإمداد البحرية أكثر تعقيداً، وأطول بكثير، ما انعكس على أسعار المواد الغذائية في المنطقة وخارجها. حيث إن التضخم يتسع تدريجياً عبر فئات الغذاء، ويتقلص معه تنوع المنتجات على الرفوف، وتتعرض الاحتياطيات الاستراتيجية لضغط أكبر في إعادة التعبئة. ويعتمد عدد من الموردين حالياً على مخزون يكفي نحو ثلاثة أشهر من السلع المستوردة طويلة الصلاحية لامتصاص الصدمة.
مواد البناء
وأضافت: غير أن قطاع البناء كان الأكثر تضرراً، إذ ارتفع سعر طن حديد التسليح بنحو 40% من 2,150 درهماً مطلع العام، إلى ما بين 2,950 و3,000 درهم، وقفزت الخرسانة المسلحة 46% من 260 إلى 380 درهماً، فيما أظهر مسح أُجري في يونيو/ حزيران، ارتفاعات لمعظم مواد البناء تراوحت بين 21% و143%. وبدأت الأسعار تلتقط أنفاسها في سبتمبر، إذ استقرت معظمها على أساس شهري وتراجع الحديد 3%، مقابل استمرار ارتفاع الرمل، والديزل، وخدمات النقل.
وتفسير هذا التفاوت بسيط: المستهلك يشعر بالأثر في مواد البناء قبل الغذاء، لأن كلفة الشحن فيها تقارب نصف قيمة البضاعة. فحاوية بلاط قيمتها 15 ألف دولار كانت تتحمل شحناً بنحو ألفي دولار، واليوم تتحمل قرابة سبعة آلاف. أما الغذاء فمحمي مرحلياً بالمخزون الاستراتيجي واتفاقيات الشراكة الاقتصادية، لكن الضغط عليه تراكمين ولا ينبغي الاستهانة به.
الرسوم النهائية
أكد عبد الرازق أن الكلفة النهائية لا تقتصر على سعر الشحن البحري الأساسي، وإنما تنتج عن تراكم رسوم إضافية على الحاوية، تشمل بدل مخاطر الحرب، ورسوم الطوارئ المرتبطة بالنزاع، إضافة إلى رسم وقود طارئ يختلف من ناقل إلى آخر، نتيجة ارتفاع استهلاك الوقود بسبب المسارات الأطول.
فاتورة خفية
قالت عفت مصطفى: يغفل كثير من المستوردين أن سعر الشحن المعلن لا يشمل قيمة البضاعة ولا التأمين عليها. فرسوم مخاطر الحرب التي تفرضها الخطوط الملاحية تغطي تأمين السفينة نفسها، ولا تعوّض صاحب الشحنة عن أي ضرر. أما بوليصة التأمين البحري على البضاعة فوثيقة مستقلة يشتريها البائع أو المشتري بحسب شروط العقد، ويُضاف إليها حالياً ملحق مخاطر الحرب بنسبة تتراوح بين 0.5% و1.5% من قيمة الشحنة، بعد أن كانت قبل الأزمات أقل من 0.05% في الأغلب.
وبحسبة بسيطة، فإن حاوية بضائع قيمتها 100 ألف دولار كانت تتحمل قبل الحرب نحو 2,250 دولاراً للشحن والتأمين مجتمعين، أي 2.25% من قيمتها، بينما تتحمل اليوم ما بين 7,700 و10,000 دولار، أي ما بين 8 و10% من قيمتها، قبل احتساب الرسوم الجمركية الخليجية البالغة 5% وضريبة القيمة المضافة. وفي تقديري، فإن ما نشهده ليس ارتفاعاً في أجرة الشحن فحسب، بل إعادة تسعير كاملة لمخاطر الخليج. فرسوم مخاطر الحرب التي يدفعها المستورد للخط الملاحي تحمي السفينة لا البضاعة، ومن لا يملك ملحق تأمين حرب على شحنته يتحمل المخاطرة بالكامل. والتأمين في مثل هذه الأزمات، كما تعلمنا التجارب السابقة، يرتفع بالمصعد، وينزل بالدرج.
إعادة رسم سلاسل الإمداد
في مواجهة الأزمة، تحركت الإمارات مبكراً لتحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة. فمنذ مارس، أعادت مجموعة موانئ أبوظبي توجيه عمليات الشحن وخدمات الشحن الإقليمي إلى مرفأ الفجيرة وخورفكان المطلين على خليج عُمان خارج المضيق، وأنشأت ممرات برية جمركية تنقل البضائع منهما إلى موانئ خليفة، وجبل علي، والشارقة، مع إضافة 400 شاحنة خلال الربع الثاني، وزيادة رحلات الشحن عبر قطارات الاتحاد، ورفع السعة التخزينية إلى أكثر من 54 ألف متر مربع. كما يجري تسريع ربط شبكة قطار الاتحاد بميناءي خورفكان ودبا، بعدما ربطت شركة Gulftainer مشروعها K-Flow في خورفكان بالشبكة، إلى جانب افتتاح الميناء الجاف الثاني في منطقة الصجعة بالشارقة. وعلى المستوى الخليجي، أوصى وزراء النقل بتخصيص مسارات ذات أولوية للسلع الأساسية القادمة عبر الموانئ البديلة، وتقليل التفتيش العيني، فيما تدعم الإمارات على المدى البعيد ممرات ربط تمتد من ميناء البصرة إلى تركيا وسوريا.
لذا، فإن الاضطرابات، رغم تحدياتها التشغيلية، سرّعت الاستثمارات وأعادت تشكيل المشهد اللوجستي في الدولة. وأرى أن الإمارات حوّلت الأزمة إلى اختبار عملي لمرونة بنيتها اللوجستية، فالفجيرة وخورفكان وقطار الاتحاد، لم تعد مجرد بدائل طوارئ، بل أصبحت جزءاً دائماً من خريطة التجارة الخليجية، والجغرافيا خارج المضيق باتت أصلاً اقتصادياً بحد ذاتها. ومع بقاء حركة العبور في هرمز بعيدة عن مستوياتها الطبيعية، وارتفاع أسعار الوقود مجدداً في سبتمبر، يرجّح محللون أن يستمر هيكل الرسوم المرتفعة على خطوط الخليج حتى الربع الأخير من العام على الأقل، وألا تعود الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة قبل استقرار الملاحة في المضيق لفترة متواصلة.
توصيات
أوصت عفت مصطفى المستوريدن بضرورة إتخاذا إجراءات محددة، أبرزها، عدم الانخداع بالسعر الأساسي المعلن للشحن. فالمقارنة الصحيحة بين العروض تكون على أساس السعر الشامل (All-in) مع تفصيل كل رسم إضافي على حدة، لأن سعراً منخفضاً لا يتضمن رسوم مخاطر الحرب قد يتحول في النهاية إلى الخيار الأغلى. وعلى المستورد أن يدرك أن هذه الرسوم التي يدفعها للخط الملاحي تحمي السفينة لا البضاعة، ما يجعل شراء ملحق تأمين مخاطر الحرب والإضرابات على الشحنة ضرورة لا رفاهية، على أن تُحتسب كلفته ضمن سعر البيع قبل توقيع أي عقد.
وفي السياق ذاته، ينصح بمراجعة شروط العقود التجارية بعناية، وتحديد الطرف الذي يتحمل الرسوم الطارئة والتأمين بوضوح وفق شروط التسليم المعتمدة، سواء كانت CIF، أو FOB، أو CFR، مع إدراج بند لتعديل الأسعار عند تغير الرسوم، واعتماد هامش أمان يتراوح بين 10 و15% في عروض الأسعار.
كما أن تنويع موانئ الوصول بات أداة فعالة لخفض الكلفة، فإذا كانت وجهة البضاعة مرنة، فإن المقارنة بين جبل علي والفجيرة وخورفكان وصحار قد توفر مئات الدولارات في الحاوية الواحدة، وأياماً في زمن الوصول، إذ تبقى الموانئ الواقعة خارج المضيق الأقل تعرضاً للرسوم والمخاطر. ويُستحسن كذلك حجز الشحنات العاجلة قبل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، على الأقل، وإضافة ما بين 7 و14 يوماً إلى جداول التوريد تحسباً لإعادة الشحن.
وبالنسبة للمستهلكين، ينصح بأن الإمدادات الغذائية مستقرة بفضل المخزون الاستراتيجي والتدابير التي اتخذتها الدولة.
أجور الشحن الفورية
قال محمد جابر، الرئيس التنفيذي لشركة كومبي لفت بروجكتس: إن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ نهاية فبراير 2026 أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل البضائع إلى المنطقة. وأوضح أن كلفة شحن الحاوية الجافة سعة 40 قدماً على خط الصين–خورفكان ارتفعت من نحو 1835 دولاراً قبل الأزمة إلى 10626 دولاراً في 10 سبتمبر، بزيادة بلغت 479%. وأن هذه الأرقام تخص أجور الشحن الفورية على هذا الخط تحديداً، ولا تمثل سعراً موحداً لجميع الشحنات من الإمارات وإليها.
وأضاف جابر: «إن هذا الارتفاع يعود إلى تغيير مسارات السفن، وزيادة تكاليف الوقود والتأمين، وفرض رسوم طارئة، إلى جانب الحاجة إلى استخدام النقل البري والسككي بعد وصول الشحنات إلى موانئ بديلة. إن التأثير الأكبر يظهر في السلع الثقيلة أو منخفضة القيمة، مثل بعض مواد البناء، إضافة إلى المنتجات الغذائية التي تحتاج إلى التبريد أو النقل السريع». وأكد أن ارتفاع تكاليف الشحن قد ينعكس تدريجياً على أسعار المستهلكين، لكن حجم التأثير يختلف من سلعة إلى أخرى، بحسب قيمة المنتج، وحجم المخزون، وطبيعة عقود التوريد. ولا يمكن اعتبار الزيادة في أجرة الحاوية مساوية بشكل مباشر للزيادة في سعر المنتج على أرفف المتاجر.
الإمارات تمكنت من تعزيز قدرتها على التعامل مع هذا الاضطراب من خلال الاعتماد على موانئ الساحل الشرقي، خصوصاً الفجيرة وخورفكان، ثم نقل البضائع إلى الأسواق والموانئ داخل الدولة عبر الشاحنات والقطارات. كما أسهم توسيع خدمات السفن المغذية، ومرافق التخزين، والشحن الجوي للسلع الأساسية في الحفاظ على تدفق الإمدادات، رغم ارتفاع الكلفة مقارنة بالمسارات البحرية المعتادة.
