تشهد الساحة الاقتصادية والسياسية تحولات متسارعة، حيث لم تعد العملات مجرد وسيلة للتبادل التجاري، بل أضحت واجهة للهوية الوطنية وأداة للصراع السياسي، وهو ما ظهر جلياً في الجزائر التي اتخذت خطوة غير مسبوقة في تاريخها الحديث، بالتزامن مع اضطرابات عنيفة تضرب العملات الرئيسية في الأسواق الآسيوية والأمريكية.

رمزية الانعتاق من الفرنسية

في سابقة هي الأولى من نوعها، تداول الجزائريون عملة ورقية جديدة من فئة 2000 دينار، تميزت باستخدام اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، متخلية بذلك عن اللغة الفرنسية التي هيمنت لعقود على الإدارة والتعاملات المالية. وتندرج هذه الخطوة ضمن استراتيجية انتهجتها الجزائر في السنوات الثلاث الأخيرة لتقليص النفوذ الثقافي الفرنسي في البلاد. ولم يقتصر التغيير على اللغة فحسب، بل لاحظ الشارع الجزائري تحسناً ملموساً في جودة الورق المستخدم، مع طرح ثلاثة أشكال مختلفة لهذه الفئة التي تعادل قيمتها نحو 14 دولاراً.

وتحمل الورقة النقدية الجديدة دلالات رمزية عميقة، إذ تتصدرها صورة “جامع الجزائر الأعظم”، ثالث أكبر مسجد في العالم، والذي شُيّد على أنقاض مشروع تبشيري استعماري قاده الكاردينال الفرنسي شارل لافيجري عام 1868، وفق ما ذكره الباحث بوزيد بومدين. كما تضمنت العملة صوراً تعكس التراث الطبيعي لسلسلة جبال الهقار ورسومات “التاسيلي” الضاربة في القدم، إلى جانب معلم “مقام الشهيد” وخريطة الدول العربية، في إشارة واضحة لتعزيز الهوية الوطنية والبعد العربي، خاصة وأن الإصدار تزامن مع احتفالات الاستقلال، واستبدلت فيه صور الحيوانات برموز الثورة وقادة تاريخيين مثل مجموعة الستة مفجري ثورة نوفمبر.

سخط في الأوساط الباريسية

لم يمر هذا التحول “الجمالي والسياسي” للعملة الجزائرية دون أن يثير زوبعة في فرنسا، حيث تحول النقاش بسرعة إلى جدل سياسي حاد يعكس القلق من تراجع النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا. وقد عبر زعيم اليسار الفرنسي، جان لوك ميلينشون، عن امتعاضه الصريح معتبراً أن غياب الفرنسية عن الورقة النقدية يعني “نهاية اللغة المشتركة” وفشلاً ذريعاً لسياسات ماكرون. وفي السياق ذاته، أشار الصحفي بجريدة “لوفيغارو”، جورج مالبورون، إلى أن هذا التحول جاء بعد وقت قصير من زيارات رسمية فرنسية رفيعة المستوى للجزائر، مما يؤكد -بحسب مراقبين- أن الجزائر باتت تتعامل وفق مبدأ المصالح المشتركة لا الوصاية التاريخية.

السياسة تعصف بالين الياباني

وفي الوقت الذي تسعى فيه الجزائر لتثبيت سيادتها النقدية، تواجه العملات العالمية الكبرى عواصف سياسية لا تقل ضراوة. فقد هوى الين الياباني إلى أدنى مستوياته أمام الدولار منذ يوليو 2024، متأثراً بالمراهنات على الانتخابات اليابانية المرتقبة. وجاء هذا التراجع الحاد عقب أنباء عن نية رئيسة الوزراء، سانا تاكاويتشي، حل مجلس النواب والدعوة لانتخابات مبكرة، وهو ما دفع المستثمرين للانخراط فيما يُعرف بـ “تداول تاكاويتشي”؛ وهي استراتيجية تقوم على توقعات بأن فوزها الكاسح سيؤدي لضخ حوافز مالية ضخمة، مما يرفع الأسهم ويضعف الين.

وقد سجل مؤشر “نيكي” أرقاماً قياسية جديدة، بينما قفزت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 30 عاماً، في حين انزلق الين لمستويات قياسية أمام اليورو والفرنك السويسري، ووصل لأضعف مستوى له أمام الجنيه الإسترليني منذ عام 2008. ويترقب المتداولون الآن بحذر إمكانية تدخل السلطات اليابانية في السوق لوقف نزيف العملة، خاصة بعد تصريحات وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما التي شاركت مخاوفها مع الجانب الأمريكي بشأن هذا التدهور المتسارع.

ضغوط على الدولار واستقلالية “الفيدرالي”

على الضفة الأخرى من المحيط، لا يبدو الدولار الأمريكي في مأمن تام رغم قوته أمام الين، إذ يرزح تحت وطأة ضغوط سياسية داخلية تتعلق بمخاوف حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. وتفاقم القلق في الأسواق بعد تقارير أفادت بفتح إدارة ترامب تحقيقاً جنائياً مع رئيس المجلس جيروم باول، وهو ما اعتبره المحللون عاملاً حاسماً قد يزعزع ثقة الأسواق على المدى الطويل، رغم الانتقادات التي طالت هذا التحرك من داخل الحزب الجمهوري نفسه.

وتترقب الأسواق صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي لشهر ديسمبر، والتي من المتوقع أن تظهر تسارعاً في التضخم، مما قد يضيف مزيداً من التقلبات على حركة الدولار الذي أنهى جلساته الأخيرة بخسائر ملحوظة. وفي ظل هذه المعطيات المتشابكة، من الجزائر إلى طوكيو وواشنطن، يبدو أن العملات لم تعد مجرد أرقام اقتصادية، بل باتت مرايا تعكس التحولات الجيوسياسية والصراعات الداخلية للدول بشكل أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.