من الشرطة إلى النيابة والقضاء رحلة صنعت خبرة العدالة
7 أكتوبر 2026 22:44 مساء
|
آخر تحديث:
7 أكتوبر 23:31 2026
عارف الفلاسي يستعرض تأسيس نيابة دبي 1992 وخبرته بين الشرطة والقضاء وتدقيق الإعدام وكشف الاحتيال والتحايل لتعطيل الإبعاد القضائي
استعرض عارف بوشقر الفلاسي، القاضي والعميد المتقاعد والمحامي، محطات بارزة من مسيرته التي امتدت بين العمل الشرطي والقضائي والقانوني في دبي، كاشفاً تفاصيل تأسيس النيابة العامة بدبي عام 1992، وكواليس التعامل مع القضايا الجنائية الكبرى وأحكام الإعدام، والفرق بين العمل الشرطي والنيابة والقضاء، إلى جانب مواقف من التحقيقات والإبعاد القضائي وحيل التهرب منه، مؤكداً أن تحقيق العدالة لا يعتمد على النصوص والأدلة فقط، وإنما يتطلب كذلك خبرة ميدانية وحساً أمنياً وقدرة على قراءة السلوك ولغة الجسد.
وقال الفلاسي، خلال استضافته في برنامج بودكست «ق.ن»، إنه عقب تخرجه في أكاديمية شرطة دبي برتبة ملازم ثان، تم اختياره ضمن مجموعة عمل في الادعاء العام بمركز شرطة نايف، لافتاً إلى أن إنشاء النيابة العامة في دبي جاء بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حيث خير الضباط في تلك المرحلة بين الاستمرار في العمل الشرطي أو الانتقال إلى النيابة العامة.
منظومة العدالة
وأوضح أن النيابة العامة شكلت مرحلة جديدة في منظومة العدالة باعتبارها جهة محايدة تتولى التحقيق في القضايا والتصرف فيها، سواء بإحالتها إلى المحكمة أو إصدار أمر «بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية»، لتكون حلقة فاصلة بين عمل الشرطة في جمع الاستدلالات وضبط الجرائم وبين المحكمة التي تتولى الفصل في الدعوى.
وأضاف أن الانطلاقة في عام 1992 بدأت من الصفر تقريباً، في ظل غياب هيكل تنظيمي وبنية تحتية مكتملة، لذلك تمت الاستعانة بمستشارين وقضاة من جمهورية مصر العربية لنقل الخبرات إلى وكلاء النيابة المواطنين، مشيراً إلى أن الممارسة اليومية والاطلاع المستمر مكناهم من الإحاطة بقوانين العقوبات والإجراءات الجزائية وتطبيقها عملياً.
الشرطة والنيابة
وبين الفلاسي أن ضابط الشرطة يجمع في عمله بين الجانب الميداني والفني والتحريات، بينما يتميز عضو النيابة بالعمق القانوني والحياد في تقييم الأدلة والوقائع، موضحاً أن تغير وصف التهمة أو تكييفها من مرحلة الشرطة إلى النيابة ثم المحكمة أمر طبيعي، بل يعكس تطور فهم الواقعة والأدلة والوصف القانوني الصحيح لها.
وأشار إلى أن طبيعة الجرائم تختلف من منطقة إلى أخرى وفقاً للتركيبة السكانية والأنشطة الموجودة فيها، فقد تتركز بعض قضايا التعاطي أو السرقات الميكانيكية أو حوادث الدهس في مناطق محددة، فيما تسهم سياسة تدوير الضباط بين المراكز في نقل الخبرات وتعزيز قدرتهم على التعامل مع أنماط مختلفة من الجرائم.
أولى قضايا الإعدام
وتحدث الفلاسي عن واحدة من أولى قضايا الإعدام التي تعامل معها حين كان عضواً في النيابة العامة، وكانت تتعلق بخطف طفلة تبلغ من العمر 9 سنوات واغتصابها ثم قتلها وإلقاء جثمانها في مكب للنفايات، وأوضح أن عمال البلدية عثروا على الجثمان بعد عدة أيام وأبلغوا الشرطة، التي باشرت إجراءاتها وتمكنت من القبض على المتهم الأول، الذي وصفه بأنه كان شريكاً ممتنعاً عن ارتكاب الفعل، قبل أن يكشف خلال التحقيق معلومات قادت إلى المتهم الآخر.
وأضاف أن المتهم الأول كان قد تلقى مبلغ 100 روبية مقابل إخفاء معلومات تتعلق بالجريمة والتي قادته إلى السجن 15 سنة، إلا أن التحقيقات أسفرت عن كشف دوره والمعلومات التي كان يخفيها، وصولاً إلى تحديد المتهم الرئيسي وضبطه وتقديمه إلى القضاء والحكم عليه بالإعدام.
وأشار الفلاسي إلى أن القضية حظيت بمتابعة مباشرة ودقيقة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حرصاً على التأكد من استيفاء جميع أركان العدالة وعدم تعرض أي طرف للظلم، مؤكداً أن قضايا الإعدام تفرض أعلى درجات التدقيق في الأدلة والإجراءات ولا تحتمل أي خطأ.
وأوضح أن القضية مرت بمراحل التقاضي المختلفة، من المحكمة الابتدائية إلى الاستئناف والتمييز، مع مراجعة تفاصيل التحقيقات والأدلة والقرائن، لافتاً إلى أن الوصول إلى حكم بالإعدام لا يقوم على مجرد الاشتباه، وإنما يتطلب أدلة ثابتة وإجراءات قانونية سليمة ويقيناً قضائياً راسخاً.
الجريمة والسلوك
وسرد الفلاسي عدداً من الوقائع التي عكست، بحسب تجربته، أهمية فهم الجانب النفسي والسلوكي في التعامل مع الجرائم، من بينها واقعة متهم آسيوي أقدم على إتلاف دورية للشرطة وحافلات عمال، بعدما اعتقد أنه أصبح في حالة سكر نتيجة تناوله مشروب شعير خالياً من الكحول اشتراه بـ3 دراهم، بينما أظهرت الفحوص عدم وجود كحول في جسمه.
وأوضح أن الواقعة كشفت تأثير الإيحاء النفسي في سلوك بعض الأشخاص، مشيراً إلى أن حالة السكر لا تعد في ذاتها سبباً لإعفاء الشخص من المسؤولية أو تخفيف العقوبة، وإنما يتم تقدير أثرها وفق ظروف كل واقعة ونصوص القانون.
كما تناول اختلاف أنماط الجرائم بين الجاليات والمناطق، داعياً إلى التعامل مع الوقائع وفق الأدلة والظروف الفردية وعدم بناء الأحكام العامة على الانتماء أو الجنسية.
حس أمني
وأكد الفلاسي أن رجل الشرطة يحتاج إلى الأخلاق والأمانة والشغف بالعمل والقدرة على مساعدة الآخرين، وألا يكون ارتباطه بالعمل محصوراً في ساعات الدوام، مشيراً إلى أن الحس الأمني يبدأ من ملاحظة التفاصيل الصغيرة والتصرف قبل وقوع الجريمة.
وضرب مثالاً بدور سائقي سيارات الأجرة باعتبارهم جزءاً من «القوة الناعمة» وشركاء في الأمن والسياحة، لافتاً إلى أن مواقف الأمانة وحسن التعامل أسهمت في تعزيز ثقة أشخاص ومستثمرين بمدينة دبي، مستشهداً كذلك بواقعة مقيم هندي أعاد مبلغ 35 ألف درهم عثر عليه في الشارع، فتم تكريمه من قبل الشرطة.
أمانة التحقيق
وفي ما يتعلق بإجراءات التحقيق، أوضح أن للمتهم أو المشتكي الحق في إبداء ملاحظاته على إفادته وعدم التوقيع عليها إذا لم يقرأها أو يقتنع بصياغتها، ويمكنه تسجيل ملاحظة واضحة ومسببة، مثل «أرفض التوقيع لعدم قراءة الإفادة»، لتظهر أمام القاضي عند نظر القضية.
وشدد على أهمية الدقة في تدوين الإفادات، خصوصاً عند استخدام المصطلحات المحلية أو اللهجات، بحيث يتم توضيح المقصود منها باللغة العربية الفصحى منعاً للالتباس أو التأويل، مؤكداً أن دقة الكلمة قد تكون مؤثرة في فهم الواقعة أمام القضاء.
وأشار إلى أن التعامل مع ذوي الهمم وكبار السن، خصوصاً من تجاوزوا الستين والسبعين عاماً، يراعي ظروفهم الصحية والجسدية عند اتخاذ الإجراءات القانونية، بما يحقق التوازن بين مقتضيات العدالة والاعتبارات الإنسانية.
المحتال والبشت
واستعاد الفلاسي واقعة احتيال مثيرة، أقدم خلالها متهم على ارتداء البشت واستئجار سيارة «روز رايز» لإيهام الآخرين بأنه من أصحاب المكانة والنفوذ، قبل أن يحتال على محل للمفروشات بشيك مزور باسم أحد الشيوخ بقيمة نصف مليون درهم.
وأوضح أنه لجأ إلى أسلوب للتحقق من هوية المتهم تمثل في استدراجه لكتابة طلب كفالة بخط يده في ظروف طبيعية، ثم أرسلت العينة إلى المختبر الجنائي لمقارنتها بالمحرر محل الاتهام، لتسهم النتيجة في إثبات الجريمة، وينتهي الأمر بالحكم عليه بالحبس ثلاث سنوات والإبعاد.
الإبعاد القضائي
وتناول الفلاسي عقوبة الإبعاد القضائي، موضحاً أنها من العقوبات التي تفرض في حالات يحددها القانون، وقد يكون أثرها في المحكوم عليه والأسرة كبيراً، مشيراً إلى إمكانية النظر في بعض طلبات معالجة الإبعاد من خلال المكتب الفني للنائب العام واللجنة المختصة وفق الضوابط المعمول بها.
وكشف عن مشاركته عام 2013 في لجنة حكومية عالجت حالات تحايل بعض المحكوم عليهم بالإبعاد من خلال إقامة دعاوى ديون صورية بهدف تعطيل تنفيذ الإبعاد، موضحاً أنه تم تحليل تلك الحالات وكشف القضايا غير الحقيقية، ما أتاح تسفير أكثر من 80% من المبعدين الذين كانت تلك الدعاوى تعطل سفرهم.
لا وجه للدعوى
وأوضح الفلاسي أن أمر «لا وجه لإقامة الدعوى الجزائية» يصدر عندما تتوافر أسباب قانونية تحول دون استمرار الدعوى، ومنها انتفاء الجريمة أو عدم كفاية الأدلة أو عدم صحة الواقعة أو التنازل والانقضاء أو الحالات التي يقرر فيها القانون عدم أهمية الاستمرار في الدعوى.
وأكد أن دور النيابة لا يقتصر على إحالة القضايا إلى المحاكم، وإنما يشمل تقييم الأدلة والوقائع وتحديد ما إذا كانت الدعوى تستحق الاستمرار من عدمه، وهو ما يعكس طبيعة النيابة كجهة تحقيق محايدة.
الوقاية أولاً
وأكد الفلاسي أن العمل الأمني لا ينبغي أن ينتظر وقوع الجريمة، مستشهداً بواقعة استيقاف مندوب لإحدى شركات المقاولات كان يحمل 380 ألف درهم نقداً تمثل رواتب عمال، في وقت متأخر من الليل، حيث جرى التعامل معه وتأمينه تفادياً لاحتمالات تعرضه للسرقة أو استغلال المبلغ.
وأشار إلى أن قراءة لغة الجسد وملاحظة التصرفات والظروف المحيطة بالواقعة تشكل جزءاً مهماً من الخبرة الأمنية والقضائية، مؤكداً أن رجل الشرطة والنيابة والقاضي يحتاجون إلى الجمع بين المعرفة القانونية والخبرة العملية والبعد الإنساني للوصول إلى التقدير السليم للوقائع وتحقيق العدالة.
